خمسة وخمسون عاماً مرت منذ أن رفع الجنوبيون علماً لمؤسسة عسكرية كانت ومازالت عنواناً للسيادة وهيبة الدولة. في هذا اليوم لا نحتفي بذكرى عابرة في دفاتر التاريخ، بل نستحضر لحظة ميلاد حلم تحول إلى عقيدة، وحملته أجيال متعاقبة بالدم والعرق، ودفعت ثمنه قوافل من الشهداء حتى صار الجيش الجنوبي مرادفاً للكرامة الوطنية وللمشروع الجنوبي الذي لا يقبل المساومة.
لقد كان تأسيس الجيش الجنوبي لحظة فارقة في وعي شعب الجنوب، لأنه لم يكن مجرد تشكيل عسكري بقدر ما كان إعلاناً بأن لهذا الوطن حدوداً تحرس، وهوية تُصان، ومؤسسات تبنى على أسس الانضباط والوطنية. خرج من رحم الثورة، وتربى على قيم التضحية، وتعلم في ميادين الشرف أن الأرض لا تُسترد بالخطاب، وأن السيادة لا تُوهب في قاعات التفاوض، بل تُنتزع بثبات الرجال الذين يؤمنون أن الوطن أمانة لا يجوز التفريط بها.
واليوم ونحن نقف أمام الذكرى الـ55، ندرك أن الجيش الجنوبي لم يمت يوماً رغم محاولات الإقصاء والاجتثاث، بل عاد من جديد أكثر صلابة، يحمل ذات الروح التي قاتل بها الآباء، ويواجه ذات التحديات بأدوات العصر. في ميادين حضرموت وشبوة وأبين والضالع وردفان، وفي كل شبر تعرض للاستهداف، كان الجندي الجنوبي حاضراً يذود عن الأرض، ويتصدى للإرهاب، ويؤمن الطريق، ويعيد للناس طمأنينة غابت طويلاً. لم يكن يقاتل من أجل راتب أو منصب، بل كان يقاتل من أجل أن يبقى الجنوب موحداً عصياً على التفتيت، وأن تبقى راية الحق مرفوعة.
إن الاحتفاء بهذه الذكرى ليس استرجاعاً للماضي بقدر ما هو تجديد للعهد. هو دعوة لكل أبناء الجنوب أن يدركوا أن قوة الدولة تبدأ من قوة جيشها، وأن أي مشروع سياسي لا يستند إلى مؤسسة عسكرية وطنية مهنية سيظل عارياً أمام رياح الأطماع. الجيش الجنوبي اليوم بحاجة إلى أن نلتف حوله جميعاً، أن ندعمه بالكلمة والموقف، وأن نصون تضحياته من المزايدات، وأن نمنحه المكانة التي يستحقها كضامن للأمن والاستقرار وكحارس لأحلام شعب بأكمله.
في هذه المناسبة ننحني إجلالاً لأرواح الشهداء الذين سقوا بدمائهم شجرة هذا الجيش، ونحيي الجرحى الذين حملوا أوجاعهم بصبر، ونحيي كل أم جنوبية قدمت فلذة كبدها فداء للوطن. ونقول لقادتنا ولجنودنا في الثكنات والمتارس: إن شعب الجنوب معكم، وأن ذكراكم ليست مناسبة للخطابة، بل هي وقود لمواصلة الطريق حتى تكتمل السيادة وتعود الدولة كاملة.
خمسة وخمسون عاماً، والجيش الجنوبي لا يزال يكتب ملاحم. وسيظل يكتبها، لأن من تربى على حب الوطن لا يعرف الهزيمة، ومن حمل قضية شعب لا يتراجع. كل عام وجيشنا بخير، وكل عام وجنوبنا أقرب إلى حريته واستقلاله.