الإثنين , 27 يوليو 2026
بقلم: مراد عبد العزيز الحالمي
ليست الوقفات الاحتجاجية في لحج مجرد تجمعات عابرة في شارع أو ساحة، وإنما هي بيانات حية يكتبها الشارع الجنوبي بمداده الحر، ويوقع عليها بدماء الشهداء وبإرادة لا تعرف الانكسار. ومساء اليوم الاثنين، أعادت حرائر مديريتي الحوطة وتبن في محافظة لحج كتابة هذا البيان بحروف من نور، حين نفذن وقفة احتجاجية أمام مستشفى ابن خلدون العام، أعقبتها مسيرة حاشدة جابت شارع الحوطة وصولاً إلى ساحة الحرية والاستقلال، في رسالة سياسية واضحة المعالم مفادها أن الجنوب عصي على الوصاية، وأن قراره لا يصنعه إلا أبناؤه وبناته.
لقد كان المشهد مهيباً بكل المقاييس. أعلام دولة الجنوب ترفرف، وصور الرئيس القائد عيدروس قاسم الزبيدي تتقدم الصفوف، وهتافات تملأ الأفق تؤكد التمسك بالمجلس الانتقالي الجنوبي ممثلاً شرعياً وحيداً لشعب الجنوب العربي. لم يكن هذا الحضور النسوي الكبير صدفة، بل كان ثمرة عمل دؤوب قامت به لجان الحشد والتعبئة التي عملت في الميدان بصمت واقتدار. وفي مقدمة هؤلاء الأوفياء برز اسم الأستاذة فيتنام العلوي، التي أثبتت أن المرأة الجنوبية حين تتحمل المسؤولية فإنها تكون في قلب الحدث، لا على هامشه. لقد كان لجهودها وجهود رفيقاتها في اللجان دور حاسم في تعبئة الشارع، وفي تنظيم الصفوف، وفي إيصال صوت الحرائر إلى كل بيت في لحج، لتؤكد أن النجاح الذي تحقق هو نتاج إيمان بالقضية وعمل مؤسسي منظم.
فرسالة الوقفة والمسيرة حملت أبعاداً تتجاوز حدود المديرية وتتجاوز اللحظة الراهنة. أولى هذه الأبعاد هو الرد العملي على ما يسمى بـ “حرب الخدمات” وتدهور الأوضاع المعيشية التي تستهدف كسر إرادة الناس. خرجت نساء لحج ليقلن إن الجوع لا يصنع خضوعاً، وإن الأزمات لا تصنع وصاية. والبعد الثاني تمثل في تجديد الرفض القاطع لأي محاولات لفرض مجالس تنسيقية أو أجسام بديلة عن المجلس الانتقالي الجنوبي، فالشعب الجنوبي اختار قيادته بإرادته، ولن يقبل بفرض أي بدائل من خارجه. أما البعد الثالث فهو الإعلان الصريح عن الدخول في مرحلة التصعيد الثوري السلمي المنظم الذي أقرته قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي، باعتباره الوسيلة الحضارية للتعبير عن رفض الوصاية والمطالبة باستعادة الدولة كاملة السيادة بحدودها المتعارف عليها قبل العام 1990.
ولا يمكن الحديث عن هذه الفعالية دون الوقوف عند دور المرأة اللحجية تحديداً. فلحج التي قدمت قوافل من الشهداء في مسيرة النضال الوطني، كانت اليوم تقدم قافلة أخرى من الصمود السياسي. المرأة اللحجية لم تكن يوماً متفرجة على الأحداث، بل كانت صانعة لها. خرجت الأم التي فقدت ابنها، والزوجة التي تنتظر عودة الغائب، والطالبة التي تحلم بمستقبل وطن، لتلتقي جميعاً على كلمة واحدة: لا تراجع عن هدف الاستقلال. هذا الدور يعيد إلى الأذهان صفحات نضالية مشرقة سطرتها نساء الجنوب منذ انطلاق الثورة، ويؤكد أن المشروع الوطني الجنوبي لا يكتمل إلا بحضور المرأة في مقدمة الصفوف، لا خلفها.
كما إن ما حدث اليوم في الحوطة هو أكثر من فعالية احتجاجية. هو إعلان أن الشارع الجنوبي بخير، وأن الوعي السياسي حاضر، وأن برنامج التصعيد ماضٍ في طريقه حتى تحقيق كامل الأهداف. وهو أيضاً شهادة تقدير لكل من ساهم في إنجاحه، وفي مقدمتهم لجان الحشد وعلى رأسهن الأستاذة فيتنام العلوي، اللواتي أثبتن أن العمل الميداني المنظم هو الطريق إلى ترجمة الإرادة الشعبية إلى فعل سياسي مؤثر.
تحية لحرائر لحج، وتحية لكل امرأة جنوبية رفعت صوتها اليوم. فحين تتكلم حرائر الجنوب، فإن على العالم أن يصغي، لأن في صوتهن خلاصة معاناة شعب، وفي إرادتهن ملامح دولة قادمة لا محالة.
يوليو 27, 2026
يوليو 27, 2026
يوليو 27, 2026
يوليو 27, 2026