تتابع هيئة الشؤون القانونية وحقوق الإنسان في الأمانة العامة للمجلس الانتقالي الجنوبي العربي باهتمام التقرير الدوري الرابع عشر للجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان في اليمن، الصادر بتاريخ 17 سبتمبر 2026م وما تضمنه من نتائج وأرقام ووقائع متصلة بحالة حقوق الإنسان خلال الفترة من 1 أغسطس 2025م حتى 31 يوليو 2026م.
وإذ تؤكد الهيئة أهمية وجود آلية وطنية للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان وضرورة دعم كل جهد يستهدف حماية الضحايا وكشف الحقيقة ومساءلة مرتكبي الانتهاكات، فإنها ترى أن التقرير الرابع عشر يثير ملاحظات قانونية ومنهجية جوهرية تمس مدى شمولية الرصد واتساق معايير التحقيق والشفافية اللازمة لتقييم استقلال اللجنة وحيادها.
أولًا: فجوة جوهرية بين الوقائع التي أعلنت اللجنة مباشرتها والنتائج التي أوردها التقرير
يثير التقرير تساؤلًا مشروعًا بشأن مصير الوقائع التي شهدتها المحافظات الجنوبية ولا سيما أحداث يناير 2026م في حضرموت والمهرة والضالع وعدن وغيرها.
وتزداد أهمية هذا التساؤل لأن اللجنة نفسها أعلنت خلال يناير 2026م أنها تتابع التطورات في عدد من المحافظات الجنوبية، ودعت إلى تقديم البلاغات المتعلقة بالاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري، كما أعلنت تنفيذ معاينات ميدانية لمواقع احتجاز في ساحل حضرموت، وعقد جلسات استماع علنية لضحايا الانتهاكات في سيئون وعدن.
كما باشرت اللجنة، وفق ما أعلنته، النظر في جانب من أحداث يناير 2026م، ولا سيما الوقائع المرتبطة بدخول قوات المجلس الانتقالي الجنوبي إلى حضرموت وما أعقب ذلك من وقائع أمنية وعسكرية وادعاءات تتعلق بالاحتجاز والانتهاكات.
ومن ثم فإن المسألة لا تتعلق بادعاء أن اللجنة لم تكن تعلم بهذه الوقائع، وإنما بالسؤال القانوني الأكثر أهمية: أين انعكست نتائج تلك البلاغات والشهادات والإجراءات الميدانية والتحقيقات التي باشرتها اللجنة في التقرير الدوري الرابع عشر؟
وتزداد أهمية هذا السؤال بالنسبة إلى الوقائع الأخرى المرتبطة بأحداث يناير، ومنها العمليات الجوية التي نُسبت إلى المملكة العربية السعودية في مناطق من حضرموت والمهرة والضالع، والتي أُثيرت بشأنها ادعاءات خطيرة تتعلق بسقوط ضحايا مدنيين وأضرار بالممتلكات.
وترى هيئة الشؤون القانونية وحقوق الإنسان في المجلس الانتقالي أن طبيعة هذه الادعاءات وخطورتها تقتضي التحقق منها وإظهار موقف اللجنة منها بصورة واضحة.
ثانيًا: غياب البيان التفصيلي لمصير الوقائع محل الرصد والتحقيق كان يتعين، من منظور الشفافية والتحقيق المستقل أن يوضح التقرير ولو بصورة إجمالية عدد الوقائع التي تلقتها اللجنة بشأن أحداث يناير، وعدد الوقائع التي تحولت إلى ملفات تحقيق وعدد الشهادات التي تم الاستماع إليها، وما ثبت منها وما لم يثبت، وما لا يزال قيد التحقيق، وأسباب استبعاد أو عدم إدراج أي وقائع أخرى.
وتؤكد الهيئة في هذا السياق أن القول بعدم تلقي بلاغات محددة بشأن واقعة معينة على فرض صحته لا ينبغي أن يكون سببًا كافيًا بذاته لعدم التحقق من وقائع خطيرة وواسعة التداول تدخل في نطاق ولاية اللجنة ولا سيما عندما تكون اللجنة قد أعلنت أصلًا متابعتها للأحداث العسكرية والأمنية في المحافظات المعنية وباشرت بشأن بعضها إجراءات ميدانية واستماع وتحقيق.
فالسؤال الذي يطرح نفسه ليس فقط: هل تلقت اللجنة بلاغًا؟ وإنما أيضًا: هل كانت الواقعة معلومة للجنة؟ وهل تدخل في نطاق ولايتها؟ وهل كانت طبيعتها وخطورتها وآثارها المحتملة تقتضي المبادرة إلى التحقق منها؟
إن عدم ثبوت واقعة بعد التحقيق يختلف قانونًا عن عدم بيان موقف اللجنة منها أصلًا، كما أن استمرار التحقيق يختلف عن إسقاط الواقعة من نطاق التقرير.
وعليه، فإن غياب هذه البيانات لا يسمح للضحايا أو ذويهم أو الرأي العام أو الجهات الدولية المختصة بتقييم مدى اكتمال التحقيق في تلك الأحداث.