الأحد , 11 يناير 2026
بقلم / نجيب الحسيني.
لطالما كان الإنسان في شمال اليمن وجنوبه ضحية لماكينة إعلامية وفكرية صاغتها قوى النفوذ، لا لخدمة المواطن، بل لضمان بقائها في سدة الحكم والمال. لقد تحولت المفاهيم السياسية من أدوات لتحقيق الرفاهية إلى “أصنام” تُعبد و”شياطين” تُرجَم، بينما الواقع المعيشي لليمني في صنعاء أو عدن لا يزداد إلا بؤساً.
في الشمال اليمني ، عُمل على غرس فكرة أن الوحدة ليست مجرد عقد سياسي بين طرفين، بل هي “ركن من أركان الإيمان” أو قدر إلهي لا يجوز المساس به.
هذه “الأيديولوجيا القدسية” لم تُطرح حباً في الوحدة كقيمة إنسانية، بل استُخدمت كغطاء أخلاقي لتبرير التوسع والسيطرة ونهب الثروات تحت شعار “حماية الثوابت”.
حين تتحول الوحدة إلى عبادة، يصبح من يطالب بحقه أو يشكو الظلم “خارجاً عن الملة” أو خائناً، مما يغلق باب المراجعة والتصحيح.
في المقابل، برزت مدرسة فكرية معاكسة في الجنوب، ركزت على تصوير “فك الارتباط” وكأنه مفتاح سحري سيحل جميع المشاكل بمجرد وقوعه، تم شحن العواطف تجاه الماضي وتصويره كفردوس مفقود، مع تحميل “الطرف الآخر” كشعب وهُوية مسؤولية كل الفشل الإداري والسياسي، هذا الشحن العاطفي جعل من “الاستقلال” غاية في حد ذاته، حتى لو كان الطريق إليه يمر عبر تفتيت النسيج الاجتماعي وزرع الكراهية مع الجار.
الحقيقة المرة التي يجب أن يدركها الجميع هي أن المواطن البسيط هو الوحيد الذي لم يستفد من كلا المشروعين.
لم يحصل المواطن على دولة النظام والقانون، بل حصل على الفساد والمحسوبية،وفي دعوة الانفصال يجد المواطن نفسه وقوداً لحروب يغذيها “تجار الحروب” و”المرتزقة” الذين يتبدلون بين المعسكرات بناءً على حجم الدعم الخارجي.
”بينما يتقاتل أبناء الشعبين على حدود وهمية أو ثوابت صنمية، تذهب الأموال والامتيازات إلى حسابات قادة يعيشون وأبناؤهم في عواصم العالم، تاركين للشعب الرماد والدموع.”
هناك طبقة من المنتفعين تدرك أن وعي الشعب هو خطرها الأكبر؛ لذا يعمدون إلى ضرب النسيج الاجتماعي، يزرعون العنصرية في قلوب أبناء الجنوب تجاه الشمالي البسيط الذي يبحث عن لقمة عيشه، ويزرعون التعالي والعدوانية في قلوب أبناء الشمال تجاه الجنوبي المطالب بحقه، هذا التراشق لا يخدم إلا استمرار حالة “اللا دولة” التي تسمح بنهب الجبايات والسيطرة على الموارد.
الطريق نحو الوعي الخيارات العقلانية، إن الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب من الشعب في الشمال والجنوب وقفة عقلانية تتجاوز الشعارات، وترتكز على،
الإنسان قبل الشعارات، يجب أن ندرك أن “الوحدة” أو “الانفصال” هي وسائل لخدمة الإنسان، وليست غايات يُضحى بالإنسان من أجلها. أي مشروع لا يوفر الكرامة والعدل والخبز هو مشروع فاشل مهما كان اسمه.
فك الارتباط مع تجار الحروب الخصم الحقيقي للمواطن في عدن ليس المواطن في تعز أو صنعاء، بل هو القائد الذي يسرق لقمة عيشهما معاً.
يجب انتزاع صفة “القداسة” عن المشاريع السياسية. الوحدة عقد اجتماعي انفرطت عراه بالظلم، والانفصال خيار سياسي يجب أن يُدرس بمسؤولية بعيداً عن الشحن العنصري.
المصالح المشتركة للشعبين تجمعهما الجغرافيا، التاريخ، والمصالح الاقتصادية. حتى في حال الذهاب لخيارات سياسية جديدة، يجب أن تظل الروابط الاجتماعية والاقتصادية محمية من سموم المرتزقة.
ورغم وجود بعض القادة الصادقين المخلصين لقضايا الاوطان الا ان خبث السياسة يرمي بافكارهم في مهب الريح.
فليكن وعينا أصلب من دعاياتهم، إن النار التي يوقدونها لتدفئة عروشهم لن تترك لنا إلا الرماد إذا لم ندرك أننا في خندق واحد ضد “طبقة المنتفعين” التي تقتات على انقسامنا.

يناير 10, 2026
يناير 10, 2026
يناير 10, 2026
يناير 3, 2026