بينما كنتُ أتمشى في أحد شوارع الحوطة بمحافظة لحج، لمحتُ أحد معلمِيّ القدامى تحفظتُ عن ذكر اسمه، لكن الشيب الذي غطّى شعره كان كافيًا ليُخبرني بما مرّ عليه من سنين وتعبٍ وعطاء.
أوقفتُه، وسلمتُ عليه بكل احترام، فغمرني شعور بالهيبة والحنين أخذني الحديث معه، وتعثرت كلماتي أمامه رغم أنني اليوم صحفية… تلك الهيبة التي كانت تسكننا كطلاب لا تزال تسكنني حتى الآن كنا لا نجرؤ على الحديث بطلاقة أمام معلمينا، من شدة احترامنا وخوفنا من مقامهم.
نظرتُ إليه وقلت بفخرٍ ممزوج بالألم: “ها أنا اليوم صحفية، بفضل الله ثم بفضلكم أنتم، أنتم من علمتمونا، من شكّلتم حروفنا الأولى، أنتم أساس هذا النجاح لكن، يا معلمي، ماذا عن هذا الجيل؟ ماذا عن مستقبلهم؟”
سكتُ لحظة، نظرتُ في عينيه فرأيت الحزن العميق، رأيت كرامة المعلّم تئنّ بصمت تابعته وهو يبتسم، لكن تلك الابتسامة كانت مرّة شعرتُ أن المعلم اليوم لم يعُد كما كان… ليس احترامًا، بل حالًا ومكانة.
هل يُعقل أن يصبح المعلم غريبًا في وطنٍ كان بالأمس يُقبّل فيه الرأس وتُرفع له القبعات؟ هل سيبقى الجيل القادم بلا قدوة، بلا مَن يزرع فيهم الأمل والعلم والقيم؟
خرجت من اللقاء وقلبي مثقل، فالمعلم الذي كان يرفع الأمة، اليوم يكاد لا يجد من يرفعه…