يُروَّج كثيرًا لما يُسمّى بـ«الحوار الجنوبي» المزمع عقده في الرياض، لكنّ الواقع حتى هذه اللحظة يكشف فراغًا مقلقًا بين الشعارات والممارسة، لم نشهد إعلانًا واضحًا، ولا تشكيلًا رسميًا للجنة حوار، ولا جدولًا زمنيًا مُعلنًا، ولا حتى إطارًا مرجعيًا يُطمئن الشارع الجنوبي بأن الأمر يتجاوز حدود التصريحات الإعلامية. الأيام تتسارع، والاستحقاقات تتراكم، والناس كانت تنتظر — على أقل تقدير — بوادر جدّية تُظهر أن هناك عملًا مؤسسيًا يجري خلف الكواليس. لكن ما نراه حتى الآن لا يتعدّى وفدًا محتجزًا في دائرة الصمت، وإعلامًا يروّج لحدثٍ لم تتضح معالمه بعد. لا بيانات شفافة، لا تفاصيل مُعلنة، لا إشراك حقيقي للقوى والشرائح المجتمعية التي يُفترض أن يكون الحوار باسمها ومن أجله..
إن الحوار الحقيقي لا يُدار بالصور التذكارية، ولا بالتصريحات المرسلة، ولا بحملات الترويج. الحوار عملية سياسية مسؤولة تتطلّب وضوحًا، وشجاعة في الطرح، واحترامًا لعقول الناس أما الغموض، فهو بيئة خصبة للشكوك، ويغذّي المخاوف من أن يتحوّل ما سُمّي «حوارًا جنوبيًا» إلى مجرد عنوان للاستهلاك السياسي.. إن القضية الجنوبية أكبر من أن تُختزل في وفد أو بيان عابر. إنها قضية شعب، وتاريخ، وتضحيات، وآمال معلّقة على مستقبلٍ عادل وأي حوار لا يقوم على الشفافية، ولا يفتح أبوابه لكل المكوّنات دون إقصاء أو انتقاء، هو حوار ناقص الشرعية قبل أن يبدأ…
لقد آن الأوان للوضوح آن الأوان لإعلان لجنة تحضيرية واضحة الأسماء والصلاحيات، ولطرح جدول أعمال مُعلن، ولمصارحة الناس بحقيقة ما يجري. فالشعب لم يعد يقبل بالضبابية، ولم يعد يرضى بأن يكون متفرّجًا على قرارات تُصاغ باسمه دون علمه إن قوة أي مشروع سياسي تُقاس بقدرته على مواجهة الأسئلة الصعبة، لا بالهروب منها ومن أراد أن يقود مرحلة حسّاسة كهذه، فعليه أن يثبت أنه أهلٌ للثقة، وأن الحوار الذي يدعو إليه ليس مسرحية سياسية، بل استحقاق وطني حقيقي يُبنى على أسس واضحة، ويُدار بإرادة صادقة، ويُفضي إلى نتائج ملموسة يشعر بها الناس في واقعهم لا في نشرات الأخبار..