الثلاثاء , 6 يناير 2026
كتب/محمد سعد الحريزي
منذ تأسيسها في وادي بله بمحافظة لحج في 20 يوليو 2008م على يد مجموعة هائل سعيد أنعم، لم تكن الشركة الوطنية للأسمنت، على ما يبدو، شريكًا حقيقيًا في تنمية المجتمع المحلي، بل تحولت إلى مصدر قلق وجودي يهدد حياة وصحة المواطنين في مديريتي الملاح والمسيمير، اللتين تقعان في النطاق الجغرافي المباشر للمصنع. فعلى الرغم من الأرباح الطائلة التي تجنيها الشركة، إلا أن بصمتها التنموية في المنطقة تكاد تكون منعدمة، في حين أن آثارها المدمرة على البيئة والإنسان تتوسع يومًا بعد يوم.
يعتمد المصنع بشكل أساسي على الفحم الحجري لتوليد الطاقة، وهو وقود معروف عالميًا بآثاره الكارثية. الأدخنة المتصاعدة من مداخن المصنع ليست مجرد سحابة عابرة، بل هي سم بطيء يقتل كل أشكال الحياة. هذه الأدخنة محملة بجسيمات دقيقة من الرماد المتطاير والغازات السامة مثل ثاني أكسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين والزئبق والرصاص، والتي تترسب على الأراضي الزراعية ومصادر المياه وتستنشقها الكائنات الحية.
على الإنسان: تسبب هذه الملوثات أمراضًا خطيرة، في مقدمتها أمراض الجهاز التنفسي المزمنة كالربو والتهاب الشعب الهوائية، وتزيد من مخاطر الإصابة بأمراض القلب والسرطان. كما تؤثر على صحة الأطفال والنساء الحوامل بشكل خاص، مسببة تشوهات خلقية ومشاكل في النمو.
على الأرض والزراعة: يؤدي ترسب الغبار الحمضي إلى تلوث التربة والمياه الجوفية، مما يقضي على خصوبة الأراضي الزراعية التي يعتمد عليها السكان كمصدر رزق أساسي. المحاصيل الزراعية تتشبع بالمعادن الثقيلة، وتصبح غير صالحة للاستهلاك الآدمي.
على الثروة الحيوانية: تتعرض الماشية والحيوانات الأخرى للتسمم إما عن طريق استنشاق الهواء الملوث أو بتناولها نباتات وأعشابًا ملوثة، مما يؤدي إلى نفوقها وتدهور الثروة الحيوانية في المنطقة.
عند الموازنة بين ما يقدمه المصنع للمجتمع المحلي وما يسببه من دمار، فإن الكفة تميل بوضوح لصالح الأضرار. ففي الوقت الذي يعاني فيه أهالي الملاح والمسيمير من الأمراض والفقر وتلف أراضيهم، تجني الشركة أرباحًا طائلة. إن المنافع المزعومة، كخلق عدد محدود من فرص العمل، لا يمكن أن تقارن حجم الكارثة البيئية والصحية التي يعيشها الآلاف من السكان.
مليار ريال رشاوي مقنّعة باسم التنمية
تتحدث الأنباء عن تخصيص الشركة مبلغ مليار ريال يمني سنويًا تحت بند “مشاريع للمديريتين”. ولكن، أين تذهب هذه الأموال؟ تشير الدلائل إلى أن هذه المبالغ لا تصل إلى المواطن المحتاج ولا تترجم إلى مشاريع بنية تحتية حقيقية كالمستشفيات أو المدارس أو شبكات المياه النظيفة. بل تتحول إلى “هبات وعطايا” تُمنح لكبار المسؤولين والمتنفذين في المنطقة.
إن إدارة المصنع، من خلال هذه الممارسات، لا تشتري صمت هؤلاء على تجاوزاتها البيئية فحسب، بل تضمن حمايتهم واستمرار مصالحها. إنها مافيا منظمة تحول أموال التنمية المخصصة للفقراء إلى جيوب الكبار، وتعتبرهم “أحق” بها من بناء مستوصف يعالج طفلًا يختنق من غبار الفحم، أو مدرسة تنقذ مستقبل جيل بأكمله.
يكمن السر وراء إصرار الشركة على استخدام الفحم الحجري، رغم مخاطره، في الجدوى الاقتصادية الهائلة. فتكلفة توليد الكهرباء باستخدام الفحم أقل بكثير مقارنة باستخدام مصادر طاقة أخرى كالديزل أو المازوت. هذا الفارق في التكلفة يترجم إلى أرباح خيالية للشركة، وهي أرباح ملطخة بمعاناة وأحزان البسطاء. إن الشركة تستجدي حماية المتنفذين لضمان استمرار هذا النموذج التشغيلي المدمر، وكل ذلك على حساب صحة وحياة المواطنين الأبرياء.
رسالة أخيرة: البوصلة يجب أن تتجه نحو العدالة
إلى إدارة الشركة الوطنية للأسمنت، نقول: إن بوصلتكم الأخلاقية والاجتماعية قد انحرفت تمامًا عن مسارها. لقد أصبحتم أداة لتكريس الظلم البيئي والاجتماعي. إن استمراركم في هذا النهج لن يمر مرور الكرام.
نحن، أبناء هذه الأرض المتضررين، نملك من الحقائق والوثائق ما قد يجهله الكثيرون، وما يمكن أن يعيد ضبط هذه البوصلة بالقوة إن لم تتجه طوعًا نحو الصواب. حياة الناس وصحة أطفالنا ليست سلعة للمقايضة بأرباحكم. عليكم أن تتحملوا مسؤولياتكم كاملة، وأن تضعوا حدًا لهذا القتل البطيء، وأن توجهوا أموال التنمية إلى أصحابها الحقيقيين. فإما أن تكونوا جزءًا من الحل، أو ستواجهون غضبة شعب لن يسكت عن حقه في الحياة.
يناير 5, 2026
يناير 5, 2026
يناير 5, 2026
يناير 5, 2026