خرجت من منزلي بعد غياب دام خمسة أيام من المرض لأمضغ القات حيثما اعتدت مع أصدقائي تحت ظل الشجرة. كان الموعد هو الموعد، والمكان هو المكان، لكنني لم أجد أحداً. بحثت بعيني في الوجوه المعتادة فلم أرها، واتصلت بأسماء الأصدقاء واحداً بعد الآخر فكانت الردود هواتف مغلقة وصمت. سألت نفسي بدهشة: أين هم؟ وأنا الذي لم أعتد غيابهم، ولم يعتادوا غيابي.
مشيت إلى السوق أجر خطاي، فاستقبلني صمت مريب لم أعرفه من قبل. لا ضجيج الباعة، ولا صخب السيارات، ولا ضحكات الشباب. كانت المدينة كأنها تتنفس ببطء، وكأن شيئاً كبيراً قد سحب منها نبضها.
اقتربت من بقالة العم ناصر، الرجل العجوز الذي لم يغادر كرسيه منذ عقود. كان جالساً وحده، يمسح نظارته ببطء. قلت له متعجباً: “يا عم ناصر، أين البشر؟ ما الذي حدث؟ السوق هامداً كأنه يوم عيد بلا أهل.” فابتسم ابتسامة من يعرف السر وقال: “إنه نداء الوطن يا ولدي، أما دريت؟”
سألته والقلق يعتصرني: “وماذا جرى بالوطن يا عم؟” فاستقام في جلسته وقال بصوت فيه حزم لم أعهده منه: “يا بني، حينما يستدعيك الوطن لبِّ النداء. الوطن يتعرض اليوم لغزو ثالث حوثي عفاشي إخواني. وأبرز ما يسعون إليه اليوم هو الساحل الغربي، المخا وباب المندب، لأنها الرئة التي يتنفسون منها ، ثم اجتياح عدن وغزوها لذلك هب أبناء الجنوب قاطبة، ومنهم أبناء مدينتنا ، لصد هذه المليشيات المارقة والدفاع عن أرض وعرض الجنوب في جبهات الشرف والبطولة. إنها الغيرة والنخوة التي لا تعرف النوم.”
نهضت من عند الشيخ وأنا مذهول مما سمعت. حدثني عن الخيانات التي تعرضت لها قواتنا الجنوبية وهي تذهب لتحرير أراضي الشمال من الحوثيين، وعن دماء سالت على ثرى لم يصنه أهله. التفت يميناً وشمالاً فإذا القرية خاوية فعلاً من شبابها. لم أر إلا بعض النسوة والعجزة، وجوه صامدة لكنها تحمل غياب الأبناء والاخوة.
في تلك اللحظة فهمت لماذا خلا السوق، ولماذا سكتت الشجرة، ولماذا أغلقت الهواتف. فهمت أن القات يمكن تعويضه، وأن السمر يمكن تأجيله، ولكن الأرض إذا ضاعت لا تعود.
عدت إلى منزلي ولم أتردد. جمعت متاعي البسيط، وودعت جدران البيت التي شهدت مرضي، والتحقت بالركب. التحقت بمن سبقوني إلى حيث الرجال، إلى حيث يكتب التاريخ، إلى حيث يدافع الجنوبيون اليوم عن حدودهم من المهرة إلى باب المندب.
لم يعد السؤال: أين الأصدقاء؟ صار السؤال: أين نكون نحن من هذا النداء؟
والجواب كان واضحاً… مع الوطن، وفي الصف، وعلى الثغر.