يحتفل العالم في الأول من مايو من كل عام بـ”عيد العمال العالمي”، تكريماً لجهود الطبقة العاملة وتقديراً لدورها المحوري في بناء الأوطان ودفع عجلة التنمية. وتُعد هذه المناسبة محطة سنوية للتذكير بحقوق العمال التي أقرتها المواثيق الدولية وتشريعات العمل المحلية، وفي مقدمتها الحق في الأجر العادل وظروف العمل اللائقة. غير أن عيد العمال لهذا العام 2026 يطل على بلادنا في ظل ظروف استثنائية بالغة التعقيد، حيث يستقبله مئات الآلاف من العاملين في القطاعين الحكومي والخاص وهم محرومون من مرتباتهم الأساسية منذ عدة أشهر، في ظاهرة باتت تؤرق المشهد الاجتماعي والاقتصادي في بلادنا.
الجذور التاريخية للمناسبة تعود جذور الاحتفال بعيد العمال إلى احتجاجات عمالية شهدتها مدينة شيكاغو الأمريكية عام 1886، طالب خلالها العمال بتحديد ساعات العمل بثماني ساعات يومياً. وقد تحول الأول من مايو منذ ذلك الحين إلى رمز عالمي لنضال العمال من أجل نيل حقوقهم، وأقرته معظم دول العالم، ومنها بلادنا، عطلة رسمية مدفوعة الأجر.
واقع العمال في بلادنا 2026 يأتي عيد العمال هذا العام وقد بلغت معاناة الموظف في بلادنا ذروتها. فالتقارير الميدانية تشير إلى انقطاع مرتبات قطاعات واسعة، على رأسها قطاع التعليم والصحة والزراعة والطرقات ، لعدة أشهر في بعض المحافظات. كما شهد القطاع الخاص موجات تسريح واسعة وتخفيضاً للأجور بسبب الركود الاقتصادي وتوقف العديد من المنشآت عن العمل.
ويُعزى هذا الوضع إلى جملة من الأسباب المتداخلة، أبرزها: الانقسام المؤسسي والمالي، وتوقف الصادرات النفطية التي تمثل المورد الرئيس لخزينة الدولة، إضافة إلى التراجع الحاد في قيمة العملة الوطنية، وتقلص المساعدات الإنسانية الدولية الموجهة لبلادنا.
وقد أدت هذه العوامل إلى تآكل القوة الشرائية للراتب، حتى في حال صرفه، حيث لم يعد يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية لأسر الموظفين، مما دفع شريحة كبيرة منهم إلى البحث عن أعمال هامشية بعد ساعات الدوام الرسمي لتأمين متطلبات الحياة اليومية.
مطالب ملحّة في عيد العمال في ظل هذه المعطيات، تبدو مطالب عمال بلادنا اليوم واضحة ومباشرة، وتتمثل في: أولاً، ضرورة انتظام صرف المرتبات باعتبارها حقاً قانونياً وليس منحة، وثانياً، فصل الملف الإنساني والمعيشي عن التجاذبات السياسية والعسكرية، وثالثاً، وضع آليات حماية اجتماعية للعامل تشمل التأمين الصحي وبدل النقل وضمان استمرارية الدخل.
إن الوضع الراهن يفرض على كافة الأطراف المعنية تحمّل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية تجاه العمال. فانتظام الأجر ليس مطلباً ترفيهياً، بل هو أساس الاستقرار الاجتماعي وركيزة لاستمرار الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة والزراعة والطرقات التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.
كلمة أخيرة إن الاحتفال الحقيقي بعيد العمال لا يكون بالخطب والشعارات، وإنما بضمان وصول العامل إلى أجره في وقته، وصون كرامته، وتمكينه من أداء واجبه الوطني دون أن يكون مثقلاً بهمّ توفير قوت يومه.
ويبقى العامل في بلادنا، رغم كل التحديات، نموذجاً في الصبر والتفاني، حيث استمر كثيرون في أداء أعمالهم رغم انقطاع الرواتب، إدراكاً منهم لحجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم تجاه المجتمع. وهو ما يستوجب من الجميع وقفة جادة لإنصاف هذه الشريحة التي تمثل عماد البناء والتنمية.